الاخبار العربية والعالمية

لبنان فى قلب التحول الإقليمي.. صناعة حل أم عجز مديد؟ | آراء سام نيوز اخبار

لم تكد تمضي دقائق على انتهاء الهدنة فى قطاع غزة، حتـى استأنفت إسرائيل توجيه ضرباتها امام المدنيين فى القطاع المحاصَر، ولكن مع تركيز أكبر على القسم الجنوبي هذه المرة.

الواضح ان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو اتخذ قراره بالهروب مـن نتائـج الحرب الكارثية، عَنْ طريق الهجوم والاندفاع نحو الأمام.

والأكيد ان فشل إسرائيل فى تحقيق أهدافها المعلنة، وعدم إمكانية نتنياهو توظيفَ اى انتصار عسكري على المستوى الداخلي؛ للتخفيف مـن حدة النقمة عليه، جعله يائسًا ومستعدًا للذهاب الي النهايه فى مغامرته غير المحسوبة مع حركة حماس، حاملًا معه هذه المرّة هـدف إنجاز “المنطقة العازلة”، التى باتت حديث كل الأروقة الدبلوماسية.

فنتنياهو مع القادة العسكريين والأمنيين باتوا يبحثون عَنْ حبل نجاة يخفّف مـن وطأة الحساب ولجان التحقيق؛ نتيجه الإخفاق الكبير الذى بدأ فى 7 أكتوبر/ تشرين الاول مع أول طلقة مـن عبور “طوفان الأقصى”.

الشارع الإسرائيلي- الذى يعيش صدمة مـن تداعيات “طوفان الأقصى”، وهو ما سيبقى محفورًا فى وعيه الجمعي- ما زال بغالبيته مؤيدًا للحرب. لكن مزاجه قد يتبدل فى حال بقيت نتائـج الميدان سلبية، الي جانب التراجع الاقتصادي المدوي، والعجز المديد فى السياسة والأمن.

نتنياهو وائتلافه الحكومي مُرتعبان مـن أرقام الاستطلاعات، ولا سيما ان إعلان انتهاء الحرب سيقود فورًا الي انتخابات جديدة؛ لذلك رسمت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة اهداف لها لجولتها الجديدة؛ أهمها تحقيق المنطقة العازلة فى غزة، وإبعاد حزب الله عَنْ الحدود باتجاه الليطاني، وتنفيذ اغتيالات تعطي صدى فى الداخل الإسرائيلي، وتعيد له بعض الثقة بقيادته.

وخلال الأيام الماضية كُشف النقاب عَنْ طرح نتنياهو المنطقةَ العازلةَ مـن اثناء قنواته السرية مع الأردن، ومصر، والسعودية، بينما التواصل قائم مع قطر كوسيط فى ملف الاعلان الرهائن.

أرفق ذلك بتسريب خُطة تقضي بتقسيم قطاع غزة الي عشرات المناطق الصغيرة، وسـط تلميحات للجيش الإسرائيليّ بأنّه يترقب ان تستغرق الجولة العسكرية الجديدة فى جنوب غزة وقتًا أطول مـن الشمال، بحيث تستمر حتـى شهر يناير/ كانون الثانى القادم، ولو مع هدن مؤقتة.

مـن المعروف عَنْ جغرافيّة قطاع غزة أنها بطول حوالى 40 كيلومترًا، ولكن بعرض يتراوح ما بين 5 الي 12 كيلومترًا، ويقطن القطاع زهاء مليونين و300 ألف فلسطيني.

وبالتالي، فإن المنطقة العازلة التى تطالب بها إسرائيل، تعني الإبقاء على مساحة ضئيلة للفلسطينيين تكون أقرب الي المنطقة الرمزية؛ ما سيؤدي الي إحراج أكبر لإدارة بايدن وعواصم اوروبية وعربية، وخاصة ان الجميع عاد ليطرح حل الدولتين.

وعليه فإنّ هذا الطريق بات يؤشر بوضوح الي إسقاط إسرائيل- حكـمًا- خيارَ حل الدولتين الذى تصر واشنطن على تطبيقه- ولو صوريًا- قبيل الدخول بجولة انتخابية رئاسية منتظرة.

لذلك كان منطقيًا إعلان واشنطن معارضتها أيةَ خطوة تؤدي الي تقليص مساحة غزة، وبالمقابل تتمسك الحكومة اليمينية الإسرائيلية بفكرة المنطقة العازلة، ولو أنها ألمحَت الي إمكانية تقليص العمق الذى تطرحه لها مـن كيلومترين الي كيلومتر أو أقلّ.

اثناء زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان الي لبنان، أطلق العديد مـن الرسائل التى بدت أكثر حزمًا هذه المرة. وهذا ما أعطى انطباعات جديدة فى جولته الاخيره

هل الفيتو الأميركي يبدو حازمًا؟

فإسرائيل مـن جهتها، عرضت أنها مستمرة فى مشروعها، وهي باشرت هجومها البري فى القطاع الجنوبي عبر خان يونس، مسقط رأس يحيى السنوار، ومحمد ضيف، وهدفها يبقى إفراغ الجنوب على غرار الشمال، وهذا ما استدعى وزير الدفـاع الأميركي لويد أوستن الي توجيه ملاحظة علنية للإسرائيليين نابعة مـن الدروس التى تعلمها الأميركيون مـن العراق، ومفادها؛ انّ حماية المدنيين ليست مجرد مسؤولية أخلاقية، بل ضرورة إستراتيجية؛ خشية ان يؤدي عكس ذلك الي استبدال النصر التكتيكي بهزيمة إستراتيجية.

وعلى هامش أعمال مؤتمر المناخ- الذى عـقد فى دبي- أعلنت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس ان واشنطن لن تسمح بإعادة الترحيل القسري للفلسطينيين، أو إعادة رسم الحدود. وأعادت التأكيد على ضرورة ترتيبات أمنية مقبولة لإسرائيل والشركاء المعنيين بحرب غزة.

وفي موازاة ذلك شكك الرئيس الفرنسي فى إمكان تحقيق إسرائيل اهدافَها، فى اثناء ما نُقل عَنْ اتصال متوتر بين البابا فرنسيس، والرئيس الإسرائيلي.

هذه المواقف تظهر التباين الموجود بين إسرائيل وداعميها حول النتائج المطلوبة مـن الحرب، بينما وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بات يؤيّد البحث حول مستقبل غزة والصورة السِّيَاسِيَّةُ قبل وقف الحرب؛ اى إنجاز العناوين العريضة للتسوية الشاملة. وهذا ما يستقبل الباب حول الوضع فى ساحات المنطقة، وفي طليعتها: اللبنانية، والسورية، والعراقية.

ولذلك لا بد مـن التوقف مليًا امام الآتي:

العراق: مع الظهور العنيف المستجد لداعش فى شمال العراق، فالاشتباكات عادت مع الجيش فى محافظة نينوى. والمعروف ان عناصر داعش يستغلون الفراغات الأمنية الموجودة، خصوصًا ما بين محافظتي صلاح الدين وديالى، وما بين كردستان وكركوك.

سوريا: عاد التحفيز الأكبر للاحتجاجات الشعبية فى السويداء والمنطقة الجنوبية القريبة للحدود مع إسرائيل. فقد سُجِّل انخراطٌ أوسع شمل قطاعات جديدة، ومشاركة للنقابات الحرة. وكان معبرًا جدًا اقتحامُ المتظاهرين- فى مدينة شهبا شمال السويداء- مقرَّ حزب البعث، وتفريغ محتوياته، وهو ما يعزز الانطباع بإنشاء منطقه عازلة، هُويتها سورية، ولكنها ستتمتع بحكم ذاتي مستقل.

لبنان: عاد القلق مـن احتمال تنفيذ الموساد الإسرائيلي عمليات اغتيال وَفق التهديد الإسرائيلي، وخاصة انّ التلميحات عرضت وجود توجّه جديد تحت عنوان: “تطبيق القرار 1701″، والهدف إبعاد البنية العسكرية لحزب الله عَنْ الجنوب.

وبات أغلب الظن ان ما يشهده لبنان الان هو أقرب الي مرحلة تحضيرية واستباقية منه الي الشروع فى تنفيذ البرنامج. والسبب أنه لا بد مـن تأمين المروحة الإقليمية قبل ذلك؛ اى إنجاز التفاهمات مع إيران على مستوى الإقليم.

لذا وخلال زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان الي لبنان، أطلق العديد مـن الرسائل التى بدت أكثر حزمًا هذه المرة. وهذا ما أعطى انطباعات جديدة فى جولته الاخيره.

لكن تبقى ثلاث إشارات أساسية لها لينك واضح بالتطورات الإقليمية، فهو تعمد إظهار تحركه باسم الدول الخمس: (الولايات المتحدة، وقطر، والسعودية، ومصر، وفرنسا)، ولذلك كان الإعلان عَنْ عشاء سفراء هذه الدول فى قصر الصنوبر.

إضافة الي إظهاره التطور فى الموقف السعودي لناحية انخراطه فى الملف اللبناني، وهو ما كانـت تتمنع عنه السعوديه طوال المراحل الماضية؛ ما يعني ان الوقت قد حان للتحرك، وهذا ما أعلنه سرًا السفير السعودي وليد البخاري، مـن تَماهٍ سعودى – قطري – فرنسي بدعم أميركي، فى الملف اللبناني.

اما الإشارة الثانية للودريان، فهي حديثه عَنْ ان الحرب فى غزة ستسرع عملية انتخابات الرئاسة فى لبنان لا العكس كَمَا هو سائد. والربط هنا مع ضرورة ان يكون للبنان رئيس وحكومة شرعية؛ لحضور مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط، يجري التحضير له على ما يبدو لمواكبة إعادة رسم الخارطة السياسيّة الجديدة للمنطقة.

بالمقابل سعى لودريان لإظهار مؤشرات تتعلّق بحسابات المؤسسة العسكرية فى لبنان، وقضية التمديد لقائد الجيش الذى يحظى بدعم أميركي – سعودى – قطري، وحديثه الي الأطراف السِّيَاسِيَّةُ بضرورة تجاوز الصراعات الضيقة والشخصية، والانخراط فى ضوء التحولات الكبرى التى عمّت وستعمّ جميع أرجاء الشرق الأوسط. إضافة الي المخاطر المرتفعة والظروف الدقيقه التى تترقب لبنان وجنوبه.

ولذلك تعمّد لودريان ان يكون حاسمًا مـن اثناء قطع اجتماعه برئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهي رسالة مقصودة فى حد ذاتها، للقول؛ إنه لا أحد مـن الأطراف مستعد لمجاراة اى طرف لمصالحه.

يحصل كل ذلك، فى اثناء استمرار رسائل التحذير الدبلوماسية للبنان مـن ان استمرار المواجهات سيؤدي الي تصعيد إسرائيلي فى المرحله القادمة؛ لأن إسرائيل وحكومتها المتطرفة لن تكون قادرة على تحمل البقاء تحت ضربات حزب الله وقوته النارية.

وهنا تنقسم الآراء، بين مـن يعتبر ان ما يجري سيكون هدفه تثبيت الوقائع مـن دون الدخول فى حرب واسعة ومفتوحة، وأن الرسائل الدولية تندرج فى اطار الضغط فقط، وبين مـن يرى ان التحذيرات الدولية الكثيفة مشابهة جدًا لتحذيرات فرنسية عمل على توجيهها الرئيس فرنسوا ميتران الي لبنان عشية الاجتياح الإسرائيلي لبيروت فى العام 1982، حيـث إن اللبنانيين حينها لم يتعاطوا معها بجدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى